أبي الفرج الأصفهاني

316

الأغاني

رجلاه ، وإذا غطَّى رجليه بدا رأسه . فقال له أبو العتاهية : كيف اخترت هذا البلد القفر على البلدان المخصبة ؟ فقال له : يا هذا ، لولا أن اللَّه أقنع بعض العباد بشرّ البلاد ، ما وسع خير البلاد جميع العباد . فقال له : فمن أين معاشكم ؟ فقال : منكم معشر الحاجّ ، تمرّون بنا فننال من فضولكم ، وتنصرفون فيكون ذلك . فقال [ له ] [ 1 ] : إنما نمرّ وننصرف في وقت من السنة ، فمن أين معاشكم ؟ فأطرق الأعرابيّ ثم قال : لا واللَّه لا أدري ما أقول إلا أنّا نرزق من حيث لا نحتسب أكثر مما نرزق من حيث نحتسب . فولَّى أبو العتاهية وهو يقول : ألا يا طالب الدّنيا دع الدنيا لشانيكا وما تصنع بالدنيا وظلّ الميل يكفيكا شتمه سلَّم لما سمع هجوه فيه : أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا الزّبير بن بكَّار قال : لمّا قال أبو العتاهية : تعالى اللَّه يا سلَّم بن عمر أذلّ الحرص أعناق الرجال قال [ 2 ] سلم : ويلي على ابن الفاعلة ! كنز البدور ويزعم أنّي حريص وأنا في ثوبيّ هذين ! كان عبد اللَّه بن عبد العزيز يتمثل كثيرا بشعره : أخبرني محمد بن مزيد والحرميّ بن أبي العلاء قالا حدّثنا الزّبير بن بكَّار قال حدّثني عمرو بن أدعج قال : قلت لعبد اللَّه بن عبد العزيز العمريّ وسمعته يتمثّل كثيرا من شعر أبي العتاهية : أشهد أنّي سمعته ينشد لنفسه : / مرّت اليوم شاطره بضّة الجسم ساخره إنّ دنيا هي التي مرّت اليوم سافره سرقوا نصف اسمها فهي دنيا وآخره فقال عبد اللَّه بن عبد العزيز : وكله اللَّه إلى آخرتها . قال : وما سمع بعد ذلك يتمثّل ببيت [ 3 ] من شعره . قال عليّ بن الحسين مؤلف هذا الكتاب : هذه الأبيات لأبي عيينة المهلَّبيّ ، وكان يشبّب بدنيا في شعره ، فإما أن يكون الخبر غلطا ، وإما أن يكون الرجل أنشدها العمريّ لأبي العتاهية وهو لا يعلم أنّها ليست له . موازنة بينه وبين أبي نواس : أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا عيسى بن إسماعيل قال : قال لي الحرمازيّ : شهدت أبا العتاهية وأبا نواس في مجلس ، وكان أبو العتاهية أسرع الرجلين جوابا عند البديهة ، وكان أبو نواس أسرعهما في قول الشعر ؛ فإذا تعاطيا جميعا السرعة فضله أبو العتاهية ، وإذا توقّفا وتمهّلا فضله أبو نواس .

--> [ 1 ] زيادة عن ح . [ 2 ] في الأصول : « فقال » . [ 3 ] في الأصول : « وما سمع بعد ذلك بيت يتمثل به . . . » .